عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
360
اللباب في علوم الكتاب
تتعدّى ب « إلى » ، ويجوز فيها التعليق ، كقوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [ الإسراء : 21 ] فتكون الجملة في محلّ نصب ؛ لأنّ ما يتعدى بحرف الجرّ يكون ما بعده في محلّ نصب به . ولا بدّ من حذف مضاف ؛ لتصحّ البدليّة ، والتقدير : إلى حال العظام ، ونظيره قولهم : عرفت زيدا : أبو من هو ؟ ف « أبو من » هو بدل من « زيدا » ، على حذف تقديره : « عرفت قصّة زيد » . والاستفهام في باب التعليق ، لا يراد به معناه ؛ بل جرى في لسانهم معلّقا عليه ، حكم اللفظ دون المعنى ، و [ هو ] نظير « أي » في الاختصاص ، نحو : « اللهمّ اغفر لنا أيّتها العصابة » فاللفظ كالنداء في جميع أحكامه ، وليس معناه عليه . وقرأ « 1 » أبو عمرو ، والحرميّان : « ننشرها » بضم النون ، وكسر الشّين ، والراء المهملة ، والباقون : كذلك ؛ إلّا أنّها بالزاي المعجمة . وابن « 2 » عباس : بفتح النون ، وضمّ الشّين ، والراء المهملة أيضا والنخعيّ : كذلك ؛ إلا أنها بالزاي المعجمة ، ونقل عنه أيضا ضمّ الياء ، وفتحها مع الراء ، والزاي . فأمّا قراءة الحرميّين : فمن « أنشر اللّه الموتى » بمعنى : أحياهم ، وأمّا قراءة ابن عباس : فمن « نشر » ثلاثيّا ، وفيه حينئذ وجهان : أحدهما : أن يكون بمعنى أفعل ؛ فتتحد القراءتان . والثاني : أن يكون من « نشر » ضدّ : طوى ، أي : يبسطها بالإحياء ، ويكون « نشر » أيضا مطاوع أنشر ، نحو : أنشر اللّه الميت ، فنشر ، فيكون المتعدي ، واللازم بلفظ واحد ؛ إلّا أنّ كونه مطاوعا لا يتصوّر في هذه الآية الكريمة ؛ لتعدّي الفعل فيها ، وإن كان في عبارة أبي البقاء « 3 » رحمه اللّه في هذا الموضع بعض إبهام ؛ ومن مجيء « نشر » لازما قوله : [ السريع ] 1205 - حتّى يقول النّاس ممّا رأوا * يا عجبا للميّت النّاشر « 4 » فناشر : من نشر ؛ بمعنى : حيي . والمراد بقوله ننشرها ، أي : نحييها ، يقال أنشر اللّه الميت ونشره ، قال تعالى : ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [ عبس : 22 ] وقد وصف اللّه العظام بالإحياء في قوله : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها [ يس : 78 ، 79 ] .
--> ( 1 ) انظر : السبعة 189 ، والحجة 2 / 379 ، والعنوان 75 ، وحجة القراءات 144 ، وشرح شعلة 295 ، وشرح الطيبة 4 / 118 ، 119 ، وإتحاف 1 / 449 ، وإعراب القراءات 1 / 96 ، 97 . ( 2 ) وقرأ بها الحسن وأبو حيوة ، وأبان عن عاصم . انظر : المحرر الوجيز 1 / 350 ، والبحر المحيط 2 / 305 ، والدر المصون 1 / 627 . ( 3 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 110 . ( 4 ) البيت للأعشى . ينظر : ديوانه ( 92 ) ، القرطبي 3 / 192 ، والدر المصون 1 / 627 ، الخصائص 3 / 225 ، البحر المحيط 2 / 297 .